القرطبي

210

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

مأخوذ من شت الشئ أي تفرق . يقال : أمر شت أي متفرق . وشت الامر شتا وشتاتا تفرق ، واشتت مثله . وكذلك التشتت . وشتته تشتيتا فرقه . وأشت بي قومي أي فرقوا أمري . والشتيت المتفرق . قال رؤبة يصف إبلا : جاءت معا واطرقت شتيتا * وهي تثير الساطع السختيتا ( 1 ) وثغر شتيت أي مفلج . وقوم شتى ، وأشياء شتى ، وتقول : جاءوا أشتاتا ، أي متفرقين ، واحدهم شت ، قاله الجوهري . قوله تعالى : ( كلوا وارعوا أنعامكم ) أمر إباحة . " وارعوا " من رعت الماشية الكلأ ، ورعاها صاحبها رعاية ، أي أسامها وسرحها ، لازم ومعتد . ( إن في ذلك لآيات لأولي النهى ) أي العقول . الواحدة نهية . قال لهم ذلك ، لأنهم الذين ينتهى إلى رأيهم . وقيل : لأنهم ينهون النفس عن القبائح . وهذا كله من موسى احتجاج على فرعون في إثبات الصانع جوابا لقوله : " فمن ربكما يا موسى " . وبين أنه إنما يستدل على الصانع اليوم بأفعاله . قوله تعالى : ( منها خلقناكم ) يعني آدم عليه السلام لأنه خلق من الأرض ، قاله أبو إسحاق الزجاج وغيره . وقيل : كل نطفة مخلوقة من التراب ، على هذا يدل ظاهر القرآن . وروى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من مولود إلا وقد ذر عليه من تراب حفرته ) أخرجه أبو نعيم الحافظ في باب ابن سيرين ، وقال : هذا حديث غريب من حديث عون لم نكتبه إلا من حديث أبي عاصم النبيل ، وهو أحد الثقات الاعلام من أهل البصرة . وقد مضى هذا المعنى مبينا في سورة ( الانعام ) ( 2 ) عن ابن مسعود . وقال عطاء الخراساني : إذا وقعت النطفة في الرحم انطلق الملك الموكل بالرحم فأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذره على النطفة فيخلق الله النسمة من النطفة ومن التراب ، فذلك قوله تعالى : " منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخري " . وفي حديث البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن العبد المؤمن إذا خرجت روحه صعدت به الملائكة فلا يمرون بها على ملا من الملائكة

--> ( 1 ) السختيت : دقاق التراب : وهو الغبار الشديد الارتفاع . ويروى : ( الشختيتا بالشين المعجمة . ( 2 ) راجع ج 6 ص 387 فما بعد .